مقاتل ابن عطية

322

أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد

1 - إن دعواه تلك تستلزم أن يكون عمر بن الخطاب أفقه وأعلم من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لأن النبيّ أراد أن يكتب فمنعه عمر لمصلحة الإشفاق على الأمة ، وهذا هو الفسق بعينه والخروج عن ربقة الإيمان ، لأن هذا الكلام يعدّ ردا على اللّه عزّ وجلّ القائل : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ « 1 » . فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً « 2 » . مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ « 3 » . وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً « 4 » . 2 - إن دعوى النّووي تلك تجيز الناس منع الرسول عن تبليغ الأحكام ، وكان الأحرى أن لا يبعث اللّه الرسل إلى الخلق ويكلّفهم بالتكاليف الشاقة واحتمال العذاب في تبليغ الأحكام ، ويترك الناس حتى يجتهدوا فيحصلوا على الأجر نتيجة اجتهادهم ، وهذا خلاف ما قامت عليه الضرورة وشهد به الوجدان من أن الاجتهاد متعسر على عامة الأفراد ، وعليه فإن تعذّر الاجتهاد وتعسّر على عامة الأفراد فلا أجر حينئذ لكونه - أي الأجر - يدور مدار الاجتهاد ، وهذا عكس ما دلت عليه النصوص القرآنية والنبوية من أن الأجر على النية الحسنة والعمل الصالح . هذا مضافا إلى أن تحمّل النبيّ للمشاق في هداية الأمة أعظم وأشد من تسطير الكتاب الذي لم يكن مبدأه ، فكيف لم يشفق عمر على النبيّ في شيء من

--> ( 1 ) سورة المائدة : 44 . ( 2 ) سورة النساء : 65 . ( 3 ) سورة النساء : 80 . ( 4 ) سورة النساء : 115 .